محمد بن علي الشوكاني
5819
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
فإن قلت : إذا كان الأمر كما ذكرت كان هذا المثال الذي مثلوا به صحيحاً ، لأنه لم يدل دليل على أن مثل ذلك يقال في الصلاة ، فليس فيه إلا مجرد الأدب الذي زعموه . قلت : إذا قد علمت أن مثل هذا من المعارضة بين الامتثال الذي لا يكون إلا بما دل عليه دليل ، وبين مجرد الأدب المخالف لما دل عليه دليل . فقد انقطع الإشكال بعروقه ، واجتث من أصله ، ولم يبق في المقام ما يقتضي دوران مثل هذا السؤال بين حملة العلم ، والتكلم به في مجامعهم كما عرفت ، وإنما عرفناك فيما سبق أنه مثال غير صحيح في المقام لما قدمنا من قيام الدليل عليه ، وإن كان في غير محل النزاع . فإن قلت : لو قدرنا أنه ثبت في رواية صحيحة ، وحديث يصلح للحجية في تعليمه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - للأمة لألفاظ الصلاة عليه لفظ سيدنا ( 1 ) !
--> ( 1 ) قال القاسمي في " الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين " ( 70 - 71 ) : للعلماء اختلاف في زيادة لفظ ( سيدنا ) في الصلاة على النبي ، وقد وقفت على سؤال رفع لأبي الفضل الحافظ ابن حجر في ذلك ؛ فأجاب عنه ، وأجاد وهاكه بنصه : " سئل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن صفة الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة أو خارج الصلاة سواء قيل بوجوبها أو بندبها : هل يشترط فيها أن يصفه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسيادة بأن يقول مثلاً : اللهم صل على سيدنا محمد ، وعلى سيد الخلق أو سيد ولد آدم أو يقتصر على قوله : اللهم صل على محمد ، وأيهما أفضل : الإتيان بلفظ السيادة لكونها صفة ثابتة له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو عدم الإتيان لعدم ورود ذلك في الآثار ؟ فأجاب - رضي الله عنه - : نعم اتباع الألفاظ المأثورة أرجح ، ولا يقال : لعله ترك ذلك تواضعاً منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما لم يكن يقول عند ذكره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صلى الله علي عليه وسلم وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذكر لأنا نقول : لو كان ذلك راجحاً لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين ، ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه قال ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك ، وهذا الإمام الشافعي أعلى الله درجته - وهو من أكثر الناس تعظيماً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه : اللهم صل على محمد إلى آخر ما أداه إليه اجتهاده وهو قوله : كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون . وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه " سبحان الله عدد خلقه " ( أ ) . ( أ ) : أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2426 ) والترمذي رقم ( 3555 ) وابن ماجة رقم ( 3808 ) عن ابن عباس عن جويرية ، أن النبي خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح ، وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة . فقال : " ما زلت على الحال التي فارقتك عليها ؟ " قالت : نعم . قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لقد قلت بعدك أربع كلمات ، ثلاث مرات ، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله وبحمده ، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته " . وانظر " الشفاء " للقاضي عياض ( 2 / 640 - 648 ) .